الجلسة الأولى من مؤتمر "المقاربة الجديدة لإدارة المخاطر المصرفية في ضوء الازمة المالية الحالية، جاءت بعنوان: "الدروس المستخلصة من الاضطرابات المالية الحالية"، وحاضر فيها كل من النائب الرابع لحاكم مصرف لبنان الدكتور هاروت صاموئيليان، منسق مركز المساعدة الفنية للشرق الاوسط التابع لصندوق النقد الدولي الدكتور سعادة شامي، الرئيس التنفيذي لبنك قطر الدولي الاسلامي عبد الباسط الشيبي، والرئيس التنفيذي لبنك الدوحة في قطر سيتارامان.
صاموئيليان
النائب الرابع لحاكم مصرف لبنان الدكتور هاروت صاموئيليان، أشار في مداخلته الى أن النمو الاقتصادي القوي الذي حدث في مناطق عدة من العالم، وأدى الى انخفاض أسعار الفائدة، شجع الإقراض والمضاربة في ظل وفرة من السيولة في السوقن ونتج عن ذلك إغراءات أدت الى خلق منتجات جديدة.
وقال صاموئيليان، ان ديون الأسر في الولايات المتحدة ارتفعت من 680 مليار دولار في عام 1974 إلى 14 تريليون دولار في عام 2008.
ولفت الى ان فقاعة الإسكان الاميركية التي نتجت عن التعامل بالادوات المركبة تسارعت خلال العام 2007 وأدت الى الأزمة المالية العالمية بين 2007 و 2008، وذلك بعدما اهتزت العلاقة بين العرض والطلب.
وأوضح ان أداء المؤسسات المالية كان مخيباً،فهي لم تعط أي اهتمام للتركيز على أسواق الائتمان والرهن العقاري، وفكرة أن الأسواق دائما على حق كانت فكرة مجنونة. وقال ان المشكلة تفاقمت بين المقرضين والمقترضين، ما أدى الى خلل في المبادئ الاساسية للسوق ،
وأشار صاموئليان الى ان وكالات التصنيف الائتماني عانت من أوجه قصور عدةن وذلك في نهجها النتبع في تقييم الرهن العقاري السكني والأوراق المالية المدعومة الأخرى المعقدةو منتجات الائتمان المهيكلة والتزامات الدين المضمونة، وكان لهذه العوامل أثر كبير على بناء الفقاعة.
ولفت لاى ان السلطات المالية والنقديةن فشلت في التقليل من المخاطر المرتبطة بمتطلبات رأس المال، ولم تستطع منع نشوء الفقاعات، كما فشلت في اتخاذ موقف استباقي لمنع تدهور الاوضاع المالية والمصرفية.
وقال ان الأزمة سرعان ما كان تأثيرها واضحا على الاقتصاد الحقيقي، من خلال زيادة المخزون من المنازل المعروضة للبيع واختلال العرض والطلب، ثم التناقص في التجارة الدولية ، وتدهور جودة الاصول.
ودعا صاموئيليان الى مواجهة المخاطر من خلال تعزيز الشفافية والإفصاح، وادارة الاصول جنبا إلى جنب مع تحسين التنسيق الدولي وتبادل المعلومات عبر الحدود والتعاون. كما على السلطات أن تكون أكثر حرصا على عدم السماح بالتحايل أو الانتقاص من متطلبات رأس المال.
وتناول صاموئيليان إجراءات مصرف لبنان في مواجهة الازمة المالية العالمية. وشرح التعاميم التي أصدرها المصرف والتي ساهمت في حماية القطاع المصرفي وتجنيبه الأزمة.
شامي
منسق مركز المساعدة الفنية للشرق الاوسط التابع لصندوق النقد الدولي الدكتور سعادة شامي، قال في مداخلته، ان سنوات النمو المرتفع وانخفاض أسعار الفائدة أديا إلى زيادة التفاؤل ونسيان المخاطر في عمليات التقييم. ولفت الى ان السلطات المعنية فشلت في ضبط السوق بعد التفاؤل الذي سيطر عليها وأسند التقييم إلى وكالات التصنيف الائتماني.
وأوضح شامي ان نظام التعويض على أساس الأرباح قصيرة الأجل تعزز المخاطرة، مشيرا الى ان التنظيم والرقابة المالية مسائل ضرورية لمنع الانهيارات. أما فيما يتعلق بسياسات الاقتصاد الكلي والاستقرار المالي والسياسات النقدية فيجري التعامل معها بشكل مختلف، ومن خلال التركيز على خفض التضخم ، وعلى النمو. في حين أن السياسات المالية تركز على الاشراف المصرفي والقطاع المصرفي.
ولفت الى ان الأزمة كشفت عن محدودية التعاون بين المنظمين الماليين، وأدى ذلك الى فشل ذريع في معالجة التمويل والسيولة في القطاع المالي، إذ ينبغي أن تكون جميع الأنشطة التي تنطوي على مخاطر الاقتصاد تتابع بتغطية وحماية، ويجب تشديد الرقابة بإدارة مخاطر قوية. كما ينبغي تعزيز العمليات الإشرافية ومراقبة المخاطر الكامنة وراء النشاطات بدلا من التركيز على قضايا أخرى.
وقال شامي أنه ينبغي الحد من تضارب المصالح في وكالات التصنيف وتشجيع المستثمرين، وخصوصا أصحاب المؤسسات الكبيرة على بذل المزيد من الجهد والنشاط والمكاشفة والشفافية في العمليات.
انخفاض أسعار الفائدة ، جنبا إلى جنب مع زيادة والإفراط في التفاؤل إزاء المستقبل ، أدى إلى ارتفاع أسعار الأصول ، من الأسهم إلى ارتفاع أسعار المساكن.
وفي الازمة المالية، لفت شامي الى ان انخفاض أسعار الفائدة أدى الى البحث عن الارباح والتقليل من المخاطر، وانعكس ذلك شراء أصول أكثر خطورة من أي وقت مضى.
وأشار الى ان تدخل البنوك المركزية، جاء بعد فوات الأوان وانفجار الأزمة، فلم تدرك الآثار الكاملة لهذه المخاطر المتزايدةن وهي لم تأخذ في الاعتبار تأثير المخاطر الناجمة عن الزيادات في أسعار الأصول.
وأوضح شامي ان على واضعي السياسات أن يأخذوا في الاعتبار حركة أسعار الأصول ، وتعاظم الدين ، والنفوذ ، وتراكم المخاطر. فالازمة كانت درساً مهماً للجميع.
ولفت الى ان المشكلات التي ظهرت في فترة ما قبل الازمة تميزت بعدد من الاختلالات الصارخة. وأهمها هو ما يسمى بـ"الخلل في التوازن العالمي" أي العجز الكبير في الحساب الجاري في الولايات المتحدة في مقابل الفوائض في الصين والدول المصدرة للنفط. وقد لعبت الاختلالات العالمية دورا في تراكم المخاطر، وساهمت في انخفاض أسعار الفائدة وتدفقات رؤوس الأموال الكبيرة إلى البنوك الأميركية والأوروبية.
وأشار الى ان هناك حاجة لإعادة النظر في الاختلالات من خلال السياسات الاقتصادية الكلية والهيكلية التي تؤثر على الادخار والاستثمار. إضافة الى التدابير الاحترازية للحد من المخاطر النظامية المرتبطة بتدفقات رؤوس الأموال الكبيرة.
وختم قائلاً ان التطورات الأخيرة وضعت صندوق النقد الدولي في الواجهة ، من خلال : إعادة التوازن في توزيع الحصص والمسؤوليات التي اتفق عليها من قبل مجموعة العشرين، ونظم الإنذار المبكر، وتسهيلات القروض الجديدة. فالأزمة كشفت عن بعض نقاط الضعف في النظام المالي. وهذه تشمل : ضعف أنظمة إدارة المخاطر ، والمؤسسات وخصوصا في البلدان المصدرة للنفط، حيث يعمل صندوق النقد على اعادة ضبط الوضع في النظام المالي من خلال اجراءاته وتوجيهاته الجديدة.
الشيبي
الرئيس التنفيذي لبنك قطر الدولي الاسلامي عبد الباسط الشيبي قال، ان الأزمة تفاوتت في تأثيراتها وقوتهابين منطقة وأخرى ودولة وأخرى ولكن لاشك بأننا نتفق في مصدرها في حين يظهر التباين في الاراء حول أسبابها. ونحن في الدول العربية بشكل عام وفي الخليج بشكل خاص نستورد من الخارج سواء من دول أسيا أوالغرب واميركا معظم مستلزماتنا ابتداء من السلع الأساسية والتكنولوجيا والصناعات الثقيلة. ومع التطور الإقتصادي قبل الأزمة استوردنا حتى التضخم وكنا نسميه تضخم مستورد وانتهى بنا المطاف اننا استوردنا الأزمة المالية منهم أيضا.
واوضح الشيبي قائلاً: لم تفعل الحكمة الإقتصادية التقليدية فعلها، بأن الاسواق تحل مشاكلها بنفسها، وبالتالي كان لابد من تدخل الحكومات فيها . فهناك مؤسسات اكتشفنا زيف الهالة التي تحيط بها وهناك مؤسسات أخرى تحاول الصمود إلى أن تمر العاصفة، لذلك نقول بأن القطاع المالي على الارجح سيواجه في عام 2010 سنة صعبة أخرى وقد ينكشف المستور.
وأضاف، أما إذ إذا سمحتم لي بأن أتطرق إلى تجربتنا في قطر وهي مشابهة لباقي دول الخليج، حيث اننا في عز الطفرة الإقتصادية مع وصول برميل النفطليلامس حاجز ال 150 دولاراً، زادت نسب التضخم بشكل غير مسبوق ووصلت في مراحل من العام 2008 في قطر الى ما يقارب الـ15 % وبدأت الاسعار في الارتفاع بشكل متواصل الامر الذي ادى الى تحول شريحة كبيرة من المجتمع الى مضاربين، وبدأت شريحة كبيرة من المجتمع بالإندفاع نحو البنوك للحصول على تمويل، وتنافست البنوك بين بعضها في منح الائتمان. وفي المقابل، فإن إدارات البنوك لم تكن لتقبل بنسب الأرباح الطبيعية الامر الذي حدا بالبنوك المركزية في قطر والمنطقة إلى دق ناقوس الخطر. ولكن استتبع ذلك هجوما من الرأي العام على البنوك المركزية وضوابطها والتركزات الإئتمانية التي تطالب بها وسياساتها في مجال الإقراضواتهمت البنوك المركزية بأنها عائق امام طلب السوق المتزايد .
وقال الشيبي: نحن في قطر وفي بعضدول الخليج في بداية الازمة كانت النبرة متفائلة باننا في منأى عن الازمة، ولكن في الحقيقة الحكومة القطرية كانت واعية بالأزمة تماما وقامت بإجراءات استباقية لحماية مؤسساتها المالية واعطائها الدعم المطلوبسواء اكان دعما معنويا او لتعزيز ملاءتها المالية .
وفي قطر كانت هناك مشاريع كثيرة قائمة كبنية تحتية وأخرى عقارية مع زيادة الكثافة السكانية بشكل كبير وسريع مما ادى الى زيادة الطلب اكثر من العرض في القطاعين السكني والتجاري، واصبح تركيز شريحة كبيرة من المجتمع على العقار. ومع هذه الزيادة بدأ منح قروض عقارية كانت بقصد المضاربة في السوق العقاري وابتعدت البنوك عن القواعد الاساسية الضرورية لمنح التمويل العقاري، وبالتالي عندما وصلت الازمة الى المنطقة انكشفت هذه الاساليب التي تحتوي على نسبة عالية من المخاطر .
وأضاف، لاشك انه بات واضحا انه عندما وصلت الأزمة الى الخليج بدأت البنوك تعاني من ازمة سيولة عندما خرجت ما تسمى بالاموال الساخنة التي دخلت اساسا بغرض المضاربة، ومع خروج هذه الاموال جاءت بعض الدول لتعلن طمأنة المودعين وبالتالي أعلنت عن ضمان الودائع في بنوكها، في حين ان قطر لم تعلن هذا الاجراء لسبب بسيط هو ان قطر دعمت البنوك اساسا واصبحت في مركز قوي جدا ونلاحظ ان الاجراء القطري لم يكن ردة فعل بل عملية استباقية ومبادرة تحسب للحكومة القطرية.
وفي الحقيقة، فان الإزمة ليست وليدة اللحظة وقد نقبل بأن تاريخ15 سبتمبر 2008 حيت انهار بنك ليمان براذرزليكون قمة هرم الأزمة المالية العالمية ولكن الازمة لها جذور منذ نهاية التسعينات من القرن الماضي وهناك من يوجه الاتهام للإدارات الأميركية المتعاقبة بالتستر او تأجيل الحلول للأزمة كما حصل مع وزير المالية الألماني الذي ألقى امام برلمان بلاده بمسؤولية الازمة على الإدارة الاميركية. وفي الواقع فإن الازمة بـدأت مع انهيار القطاع العقاري في عام 2007، ويرى بعض المحلليين الإقتصاديين بأن جذور ازمة القطاع العقاري تمتد الى فترة سابقة من ذلك حيث كانت السيولة متوفرة وبدأت البنوك والشركات تتنافس في ابتكار المشتقات Derivatives .
ومع الغليان في العقارات في بداية العام 2000 مدفوعة بتدن اسعار الفائدة بدأنا نسمع عن ازمة فقاعة عقارية الى ان انكشف المستور في منتصف العام 2007 وخصوصا في أغسطس 2007 عندما اعلن بنك باربيا عن اخذ مخصصات كبيرة في التمويل العقاري وبدأنا بعد ذلك نسمع عن الخسائر الكبيرة ابتداءمن نورثرن روك في بريطاينا الى اكبر الشركات العقارية فاي ماي وفريدي ماك الاميركيتان وكانتا تديران حوالي 5 ترليون من الديون العقارية .
طبعا مع تفاقم الازمة وجهت اصابع الاتهام الى نظرية حرية السوق وهذه النظرية هي التي اتاحت الإستفادة من الثغرات الموجودة في الانظمة والسؤال هو هل الحرية المطلقة مفسدة مطلقة . وبالتالي بتنا نسمع عن اجراءات جديدة لحماية السوق ولكن بالمقابل هاهو آلان غرينسبان رئيس الاحتياطي الفيدراليالاميركي لستة عشر عاما متواصلة يؤكدبأن الطبيعة البشرية ستؤديالى تكرار الازمة وهذا يعني بان التحايل سيتم على هذه الاجراءات ايضا .
وقال الشيبي، اذا رجعنا مرة جديدة الى الدروس المستقاة من الأزمة المالية انا ارى ان هناك دروس للدول وقوانينها ودروس للهيئات الإشرافية ودروس للمؤسسات المالية ودروس للقائمينعلى هذه المؤسسات واعتقدان لكل مؤسسة دورها ورؤيتها وقدراتها بإزاء الأزمةلأنه كما ذكرت هناك تفاوت في التأثر بين دولة واخرى وهنا لايفوتني ان اشيد بصلابة القطاع المصرفي في لبنان ويرجع الفضل في ذلك الى مهندس هذا القطاع سعادة الحاكم رياض سلامة .
وختم: لو تكلمنا عن الدروس المستفادةمن الازمة بالنسبة للدول العربية فإننا ندعو إلى بلورة نظرة ورؤية واضحة نحو الاقتصاد العالمي وكيفية التعامل معه أما بالنسبة للجهات الاشرافية فينبغي لها عدم السماح للطامعين بجني الارباح الكبيرة والسريعة من خلال استغلال الثغرات مع وضع المزيد من الضوابط التي تقوم على اسس واضحة من الشفافية والافصاح.
أما على مستوى المؤسسات المصرفية فاعتقد انه لابد ان تكون هناك رؤية استراتيجية واضحة واهداف للمؤسسات المصرفية مع ضرورة عدم الالتفات للغير واقصد هنا موضوع التسابق في مجال تحقيق الارباح دون الانتباه الى المخاطر الكامنة.
وعلى مستوى الادارات القائمة على المؤسسات المصرفية ينبغي عليها الرجوع الى القواعد المصرفية السليمة التي تعلمناها والتركيز على ملاءة المؤسسات المالية وإدارة افضل للمخاطر المختلفة المحيطة بنا .
سيتارامان
الرئيس التنفيذي لبنك الدوحة سيتارامان قال في مداخلته، ان المؤسسات المالية لم تكن مجهزة لرؤية واكتشاف المخاطر في الازمة المالية العالمية. وأوضح انه لا انضباط السوق ولا التنظيم كانا قادرين على احتواء المخاطر الناجمة عن الابتكارات السريعة وزيادة قوة التأثير في الادوات المركبة ، والتي قد تم بناءها على مدى سنوات. وقد فشل صناع القرار في معالجة تزايد الاختلالات في الاقتصاد الكلي قبل الازمة، والتي ساهمت في تراكم المخاطر النظامية في النظام المالي وفي أسواق الإسكان والعقارات.
ولفت الى ان البنوك المركزية تركز أساسا على التضخم ، وليس على المخاطر المرتبطة بارتفاع أسعار الأصول وزيادة قوة التأثير.
ولفت الى ان المؤسسات المالية الدولية لم تكن ناجحة في تحقيق تعاون قوي على الصعيد الدولين وهذا ضاعف من عدم القدرة على على مواجهة لازمة وتزايد الضعف.
ولفت الى انه لا بد من خطط واجراات تشمل جميع الأنشطة التي تنطوي على مخاطر الاقتصاد. فالتنظيم ينبغي أيضا أن يكون مرناً لمواكبة الابتكار في الأسواق المالية ، وأنه ينبغي التركيز على الأنشطة ، وليس على المؤسسات فقط.
وشدد سيتارمان على انضباط وعلى دور وكالات التصنيف الائتماني على نحو كاف لتقييم المخاطر، وهي التي تعرضت لانتقادات، إضافة الى الحد من تضارب المصالح وتحسين العناية الواجبة للمستثمرين. وهناك خطوات أخرى يمكن أن تشمل الحد من الاعتماد على التقييم لتلبية القواعد التحوطية ، وينبغي أيضا تقييم خطط التعويض بشكل روتيني لضمان أنها لا تخلق حوافز للمجازفة المفرطة. كما يجب على واضعي السياسات التركيز على تحقيق الاستقرار المالي الكلي ، وإيلاء اهتمام أكبر لتراكم المخاطر النظامية.